السيد هاشم البحراني
196
البرهان في تفسير القرآن
فراقه بكائي ، حتى ابيضت عيناي من الحزن . وأنه كان له أخ من خالته « 1 » ، وكنت به معجبا وعليه رفيقا ، وكان لي أنيسا ، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري ، فيسكن بعض ما أجد في صدري ، وأن إخوته ذكروا لي أنك - أيها العزيز - سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به ، وإن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر ، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا ، فرجعوا إلي فليس هو معهم ، وذكروا أنه سرق مكيال الملك ، ونحن أهل بيت لا نسرق ، وقد حبسته وفجعتني به ، وقد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي ، مع مصائب متتابعات علي . فمن علي بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك ، وطيب لنا القمح ، واسمح لنا في السعر ، وعجل بسراح آل يعقوب . فلما مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه ، نزل جبرئيل على يعقوب فقال له : يا يعقوب ، إن ربك يقول لك : من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر ؟ قال يعقوب : أنت بلوتني بها عقوبة منك وأدبا لي ، قال الله : فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري ؟ قال يعقوب : اللهم لا . قال : أفما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ، ولم تستغث بي وتشكو ما بك إلي ؟ فقال يعقوب : أستغفرك يا إلهي وأتوب إليك . وأشكو بثي وحزني إليك . فقال الله تبارك وتعالى : قد بلغت بك - يا يعقوب - وبولدك الخاطئين الغاية في أدبي ، ولو كنت - يا يعقوب - شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك ، واستغفرت وتبت إلي من ذنبك ، لصرفتها عنك بعد تقديري إياها عليك ، ولكن الشيطان أنساك ذكري ، فصرت إلى القنوط من رحمتي وأن الله الجواد الكريم ، أحب عبادي المستغفرين التائبين الراغبين إلي فيما عندي . يا يعقوب ، أنا راد إليك يوسف وأخاه ، ومعيد إليك ما ذهب من مالك ولحمك ودمك ، وراد إليك بصرك ، ومقوم لك ظهرك ، وطب نفسا ، وقر عينا ، وإن الذي فعلته بك كان أدبا مني لك ، فاقبل أدبي . قال : ومضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر ، حتى دخلوا على يوسف في دار المملكة ، فقالوا : * ( يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) * بأخينا بنيامين ، وهذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره . يسألك تخلية سبيله ، وأن تمن به عليه ، - قال - فأخذ يوسف كتاب يعقوب ، فقبله ، ووضعه على عينيه ، وبكى وانتحب حتى بلت دموعه القميص الذي عليه . ثم أقبل عليهم ، فقال : * ( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ) * من قبل * ( وأَخِيه ) * من بعد ؟ * ( قالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّه عَلَيْنا ) * ، * ( قالُوا تَاللَّه لَقَدْ آثَرَكَ اللَّه عَلَيْنا ) * فلا تفضحنا ، ولا تعاقبنا اليوم ، واغفر لنا ، * ( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّه لَكُمْ ) * . وفي رواية أخرى عن أبي بصير ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) نحوه .
--> ( 1 ) هذا الخبر يدلّ على أنّ بنيامين لم يكن من أمّ يوسف بل من خالته ، ويأتي في الحديث ( 51 ) ما يؤيّد أنّه من خالته أيضا . وفي بعض كتب التاريخ أنّهما من أمّ واحدة وهي راحيل .